العلامة المجلسي
137
بحار الأنوار
وقال سبحانه مخبرا عمن يحشر من الظالمين أنه يقول يوم الحشر الأكبر " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل " ( 1 ) وللعامة في هذه الآية تأويل مردود ، وهو أن قالوا : إن المعني بقوله " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " أنه خلقهم أمواتا ، ثم أماتهم بعد الحياة ، وهذا باطل لا يستمر على لسان العرب ، لأن الفعل لا يدخل إلا على من كان بغير الصفة التي انطوى اللفظ على معناها ، ومن خلقه الله أمواتا لا يقال أماته ، وإنما يقال ذلك فيمن طرء عليه الموت بعد الحياة ، كذلك لا يقال أحيى الله ميتا إلا أن يكون قد كان قبل إحيائه ميتا ( 2 ) وهذا بين لمن تأمله . وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله " ربنا أمتنا اثنتين " الموتة التي تكون بعد حياتهم في القبور للمسألة فتكون الأولى قبل الاقبار ، والثانية بعده ، وهذا أيضا باطل من وجه آخر وهو أن الحياة للمسألة ليست للتكليف فيندم الانسان على ما فاته في حاله ، وندم القوم على ما فاتهم في حياتهم المرتين يدل على أنه لم يرد حياة المسألة لكنة أراد حياة الرجعة ، التي تكون لتكليفهم الندم على تفريطهم ، فلا يفعلون ذلك فيندمون يوم العرض على ما فاتهم من ذلك ( 3 ) . فصل : والرجعة عندنا يختص بمن محض الايمان ومحض الكفر ، دون من سوى هذين الفريقين ، فإذا أراد الله تعالى على ما ذكرناه أوهم الشياطين أعداء الله عز وجل أنهم إنما ردوا إلى الدنيا لطغيانهم على الله ، فيزدادوا عتوا ، فينتقم الله تعالى
--> غافر : 11 . ( 2 ) هذا هو الظاهر ، كما صححه ونقله الحر العاملي في كتابه الايقاظ من الهجعة ص 59 ، وفي الأصل المطبوع : " بعد احيائه ميتا " ، وله وجه بعيد غير ظاهر . ( 3 ) ووجه آخر ، وهو أن الظاهر من قولهم تسوية الحياتين من حيث الابتلاء وصحة الاختبار والامتحان ، وأنهم أذنبوا في كلتا الحياتين ، ولذلك قالوا : " فاعترفنا بذنوبنا " بعد إشارتهم إلى الحياتين ، ولو كان أحد الحياتين في القبر للمسألة لم يكن لها دخل في مقام الاعتراف .